سُئل أنبا إشعياء : ما هي التوبة ؟ أو ما الهروب من الخطية ؟
فأجاب : طريقان :
فالذي يريد أن يدخل الملكوت ؛ ينبغي عليه أن يلاحظ الأعمال لأن الملكوت هو إبطال كل خطية ؛ الأعداء يزرعون ولكن أفكارهم لا تنبت؛ لأنه إذا بلغ الروح تأمل حلاوة اللاهوت ؛ لا تنفذ إليه سهامهم فيما بعد ؛ إذ قد تسربل بأسلحة الفضائل التي تحفظه وتَهتم به ولا تدعه يضطرب ؛ بل تشغله بالتأمل في سبيل المعرفة ؛ والتمييز بين الطريقين للابتعاد عن الواحدة ؛ ومحبة الطريق الأخرى .
وبالتالي إذا عرف الإنسان مجد اللـه ؛ يعرف مرارة العدو . فإذا عرف أحد الملكوت يعرف جهنم ؛ وإذا عرف المحبة يعرف ما هي البغضة ؛ وإذا عرف ما هو الاشتياق إلى اللـه ؛ يعرف البغضة للعالم ؛ وإذا عرف ما هي الطهارة يعرف كذلك نتانة النجاسة ؛ وإذا عرف أحد ثمر الفضائل ؛ يعرف كذلك ما هي ثمار الرذيلة .
هذا هو الذي بأعماله تفرح الملائكة ؛ أما ذلك فيعرف أن الشياطين يفرحون به حين يكمل أعمالهم .
لأنك ما لم تَهرب منهم لن تعرف مرارتَهم . فكيف ما هي محبة الفضة دون أن تتجرد منها وتعيش في فقر شديد من أجل اللـه ؟ وكيف تعرف قساوة الغيرة ؛ إذا لم تقتن الصبر في كل شيء ؟
كيف تدرك اضطراب الغضب ؛ إذا لم تقتن عذوبة الوداعة ؟ كيف تتحقق من قبح الكبرياء ؛ إذا لم تقتن حلاوة الاتضاع ؟ وكيف تعرف نتانة الزنى ؛ إذا لم تعرف جمال الطهارة الفائقة النقاء ؟
كيف تعرف عيب المثابة ؛ إن لم تعرف سيئاتك ؟ وكيف تعرف نقائص الضحك والمزاح ؛ إذا لم تختبر البكاء على خطاياك ؟ وكيف يُعرف اضطراب الضجر وقلقه ؛ إذا لم تُخضع الحواس وتعرف نور اللـه ؟
مخافة اللـه أم جميع الفضائل :
هذه جميعها ليس لها سوى رأس واحدة تدعى خُبث العدو ؛ أما الفضائل فليس لها غير أم واحدة تُدعى مخافة اللـه ؛ والذي يقتنيها في النقاوة تلد له الفضائل ؛ وتقطع أغصان الشر التي تكلمت عنها للتو .
فأحرص أن تقتنيها ( يا حبيبي ) وأنت تقضي حياتك كلها في راحة فهي حقاً والدة جميع الفضائل . وما دام الإنسان لم يهرب من هذه الرذائل فهو لم ينتسب بعد إلى ملكوت السماوات ؛ لذا ينبغي عليه أن يجاهد قليلاً قليلاً ؛ حتى يقطع عنه جميع الأوجاع التي ذكرتَها .
مقياس النمو :
من ينشغل قلبه بمعرفة ما إذا كان لا يزال أمامه جهاد أم لا ؛ هذه له علامة :
إذا كان " اليساري " مازال يمارس أفعاله ؛ فالخطية لم تمت بعد ؛ وفضائل " اليمين " لم تتصلح بعد مع هذا الإنسان لأنه مكتوب : " الذي تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة ؛ أنتم عبيدٌ للذين تطيعونه ؛ أما للخطية للموت ؛ أو للطاعة للبر " { رو 6 : 16 } .
وأيضاً : " أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم ؛ إن لم تكونوا مرفوضين " ؟ كما يقول يعقوب الرسول في موضع آخر : " إن كان أحد فيكم يظن أنه دين ؛ وهو ليس يلجم لسانه؛ فديانة هذا باطلة ".
الروح القدس يعلمنا هذا جميعه ويلقننا أن ننفصل عما هو بخلاف الطبيعة ونحترس منه ؛ لأن التوبة هي التحول عن الخطية ؛ ولا توجد غير خطية واحدة ؛ بل إن الإنسان العتيق كله يُدعى خطية ؛ لذلك يقول الرسول: " ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون؛ ولكن واحداً يأخذ الجعالة " .
فمن يكون هذا الواحد سوى ذاك الذي يصارع ويجاهد ببسالة وإقدام حسب المكتوب أيضاً : " وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء " . فلنهتم إذاً بنفوسنا يا إخوتي ؛ وما هو هذا الاهتمام سوى أن ننطرح أمام صلاح ربنا يسوع المسيح ؛ الذي له السلطان على أعدائنا ليبطل إغراءاتَهم المضلة ؛ فالإنسان دم ولحم هو .
سكون القلاية :
سُئل أيضاً : ما هو تدبير السكون في القلاية ؟
فأجاب قائلاً : سيرة السكون في القلاية هي أن يطرح الإنسان نفسه أمام اللـه ؛ ويعمل قدر استطاعته على مقاومة جميع الأفكار الشريرة التي يعرضها عليه العدو ؛ فهذا هو الهروب من العالم .
العالم :
وسُئل كذلك : ما هو العالم ؟
فأجاب : العالم هو فعل الخطية والانجذاب إليها ؛ العالم هو تكميل أعمال مخالفة الطبيعة ؛ العالم هو تكميل مشيئات الجسد ؛ العالم هو الظن بأنك ستدوم في هذا الدهر ؛ العالم هو الاهتمام بالجسد أكثر من النفس ؛ العالم هو التفاخر بما ستتركه وتنصرف عنه .
وما أقوله ليس من عندي ؛ بل هو قول يوحنا الرسول : " لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم ؛ إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب ؛ لأن كل ما في العالم شهوة الجسد ؛ وشهوة العيون ؛ وتعظم المعيشة ؛ وهذه ليست من الآب بل من العالم ؛ والعالم يمضي وشهوته ؛ أما الذي يصنع مشيئة اللـه فيثبت إلى الأبد " .
" أيها الأولاد لا يضلكم أحد من يفعل البر فهو بار كما أن ذاك بار ؛ من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ " { 1يو 3 : 7 ، 8 } . " لأن محبة العالم عداوة للـه " { يع 4 :4 } .
والرسول بطرس لكي يجعل أولاده متغربين عن عالم الخطية قال أيضاً : " أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء ؛ أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس " { 1 بط 2 : 11 } .
وربنا المحبوب يسوع عالماً أنه التزام على الإنسان أن يهجر عالم الخطية؛ لكي يشدد خواصه قائلاً : " رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء "
{ يو 14 : 30 } ؛ وأيضاً : " العالم كله قد وضع تحت سلطان الشرير " { 1يو 5 : 19 } ؛ كما قال عن خواصه : " أنا اخترتكم من العالم " ؛ فمن أي عالم أختارهم ؛ سوى من كل حركة وانجذاب للخطية .
{ يو 14 : 30 } ؛ وأيضاً : " العالم كله قد وضع تحت سلطان الشرير " { 1يو 5 : 19 } ؛ كما قال عن خواصه : " أنا اخترتكم من العالم " ؛ فمن أي عالم أختارهم ؛ سوى من كل حركة وانجذاب للخطية .
الهروب من العالم لأتباع يسوع :
فمن يروم أن يصير تلميذاً ليسوع عليه أن يهرب من الأوجاع ؛ لأنه إذا لم يقطعها لا يستطيع أن يكون مسكناً للـه ؛ ولن يعاين عذوبة لاهوته ؛ ما لم يتحول عنها .
لأن يسوع نفسه يقول : " سراج جسدك هو العين ؛ فمتى كانت عينك بسيطة ؛ فجسدك كله يكون في النور ؛ أما إذا كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون في الظلمة " .
فهو يعتبر أنه ما لم يشفى الروح من الشر ؛ لا تقدر أن تعرف نور اللاهوت ؛ لأن الشر يصنع حاجزاً معتماً للروح ويجعل النفس مقفرة ؛ كما هو مكتوب في الإنجيل:" ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه تحت مكيال؛ بل يضعه على منارة ؛ لكي ينظر الداخلون النور " { لو 8 : 16 } .
فنقول أن المكيال هو طغيان هذا العالم ؛ فما دامت الروح تعيش في مخافة الطبيعة ؛ فمصباح اللاهوت لا يستطيع أن يضئ بداخلها ؛ وحينئذ تعرف الذين في المنزل فتطرد من ينبغي طردهم ؛ وتحتفظ بمن ينبغي أن يعيشوا معها في سلام .
لهذا يُعلم يسوع ذوي الأرواح المستنيرة بوصايا لاهوته قائلاً : " أقول لكم أيها السامعون : أحبوا أعدائكم ؛ احسنوا إلى مبغضيكم ؛ باركوا لاعنيكم ؛ صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم ؛ من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضاً ؛ ومن أخذ ردائك فلا تمنعه ثوبك أيضاً؛ وكل من سألك فأعطه ؛ ومن أخذ الذي لك ؛ فلا تطالبه " .
وقال هذا لمن تركوا العالم لأنَهم تجردوا من كل ما يخص هذا الدهر وصاروا متأهبين أن يتبعوا مخلصهم .
أولئك هم الذين أحبهم يسوع محبة كاملة وقال لهم : " قوموا ننطلق من ها هنا " { يو 14 : 31 } ؛ فإلى أين يأخذهم لما قال لهم قوموا ننطلق من ها هنا ؟ أليس أنه سيقودهم لكي يعتزلوا عن أعمال هذا الدهر؟ ويعطيهم الراحة في ملكوته ؟
لذا يقول لهم مشدداً إياهم : " أنا الكرمة وأنتم الأغصان ؛ أثبتوا فيَّ كما أنا فيكم ؛ كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة ؛ كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فيَّ .
لقد قال هذه الأقوال للذين هجروا العالم ؛ لأن الروح فيهم يسكن قلوبَهم ؛ لذلك يقول : " لا أترككم يتامى إني آتي إليكم " .
ترك العالم يعني قطع الأوجاع :
فإن كنت يا أخي تقول إنك قد تركت العالم ؛ وتُوجد مرتبكاً بأعمال العالم ؛ فأنت إذاً لم تتركه بعد ؛ بل تخدع نفسك .
لقد أعطى الرب هذه العلامة لأولئك الذين تركوا العالم : " من أحب نفسه يهلكها ؛ ومن أهلكها من أجلي يخلصها " { مت 10 : 39 } ؛ فكيف يهلك نفسه إلا بقطع جميع مشيئاته الجسدية ؟
وأيضاً : " من لا يحمل صليبه ويتبعني ؛ لا يقدر أن يكون لي تلميذاً " ؛ فأي صليب يريدنا أن نحمله ؛ سوى أنه ينبغي أن تسهر النفس بلا انقطاع؛ وتتمسك جيداً بالفضائل حتى لا تنزل من على الصليب ( أي بعدم الخضوع للأوجاع ) إلى أن يقطعها الروح منها وتقوم في النهاية منتصرة ؟
كما يعطي الرب علامة للذين تيقظوا قائلاً : " الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت ؛ فهي تبقى وحدها ؛ ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير " { يو 12 : 24 } .
ويعزي الذين يموتون كحبة الحنطة قائلاً : " إن كان أحد يخدمني ؛ يكرمه الآب ؛ وحيث أكون أنا ؛ هناك أيضاً يكون خادمي " .
فكيف يخدمون يسوع سوى ببغضهم لعالم الأوجاع ؛ وتكميلهم وصايا الرب؟ وإذ يحفظون وصاياه يستطيعون أن يجسروا على القول: " ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك ؛ فماذا يكون لنا ؟
فيُظهر الرب لهم ما هو عتيد أن يكون لهم قائلاً : " أنتم الذين تبعتموني في التجديد ؛ متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده ؛ تجلسون أنتم أيضاً على أثني عشر كرسياً ؛ وتدينون أسباط إسرائيل الأثى عشر ؛ وكل من ترك إخوة أو أخوات ؛ أو أباً أو أماً ؛ أو امرأة ؛ أو حقولاً أو بيوتاً من أجل اسمي ؛ يأخذ أضعافاً كثيرة ويرث الحياة الأبدية " .
ضرورة التجرد الكامل :
إن معلمنا المحبوب يسوع لعلمه أن الإنسان ما لم ينعتق من كل اهتمام لا يستطيع أن يُصعد عقله على الصليب ؛ أمر أن يترك عنه كل ما من شأنه أن يجتذبه أو يسمح بنزول عقله من على الصليب .
وهذا يشرح علة كلامه لذلك الذي أتى إليه قائلاً : " أتبعك يا سيد ؛ ولكن ائذن لي أولاً أن أرتب أمور بيتي " { لو 9 : 61 } ؛ فيسوعنا المحبوب لما كان يعلم أنه إذا عاد ليراهما فإن قلبه سيميل إليهما من جديد ؛ وأنَها ستشغل اهتمامه تحت أسباب تبدو أنَها جيدة ؛ لذلك منعه من الذهاب قائلاً : " ما من أحد يضع يده على المحراث ويلتفت إلى الوراء يصلح لملكوت السماوات " { لو 9 : 62 } .
وحين صنع عشاءً عظيماً لابنه ؛ أرسل عبيده داعياً المدعوين ؛ لكنهم لم يستطيعوا الدخول بسبب المحبة التي كان يكنها كل منهم لهذا العالم .
فقال بحزن : " إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته؛ حتى نفسه أيضاً؛ فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً".
وقال هذا لكي ندرك أن من أراد أن يدخل ملكوته ؛ ما لم يقرر في نفسه أولاً أن يبغض كل ما يشد قلبه إلى العالم ؛ فلن يستطيع أن يدخل الملكوت الذي يبتغيه .
الإيمان ينبغي أن تصاحبه الأعمال :
لقد حزرنا الرب من الاتكال على الإيمان وحده بغير أعمال ؛ بقوله : " فلما دخل الملك ليفحص المتكئين لاحظ هناك إنساناً لم يكن لابساً لباس العرس .. .. وأمر أن يطرحوه في الظلمة الخارجية " { مت 22 : 11 ، 12 } ؛ فهم قد دخلوا تحت اسم المسيحيين ؛ لكنهم طرحوا خارجاً ؛ إذ لم تكن لهم أعمال .
والرسول إذ كان يعلم أنه لا يمكن حب أمور اللـه وتلك التي للعالم معاً ؛ كتب لابنه تيموثاوس يقول : " ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة المدنية ؛ إن كان يريد أن يرضي من جنده " .
وأيضاً : " إن كان أحد يجاهد لا يأخذ الإكليل إن لم يجاهد قانونياً " . ولكي يثبته في الرجاء أن هذه الأتعاب لن تذهب سدى قال : " يجب أن الحراث الذي يتعب يشترك هو أولاً في الأثمار " { 2تي 2 : 4 ، 5 } .
وإذ يكتب لآخرين يقول : " غير المتزوج يهتم في ما للرب ؛ أما المتزوج فيهتم في ما للعالم " { 1كو 7 : 32 } ؛ فأي عقاب يستحقه إذاً من لم يكن متزوجاً ويهتم بأمور العالم ؛ لأن من له مثل هذا الاهتمام سوف يسمع ذلك الصوت المخيف القائل : " اطرحوه في الظلمة الخارجية؛ هناك يكون البكاء وصرير الأسنان " { مت 22 : 13 } .
فلنعمل قدر استطاعتنا يا إخوة لكي نلبس ثوب الفضائل لكي لا نُطرح خارجاً ؛ لأنه ليس عند اللـه محاباة في ذلك اليوم ؛ ولهذا يقول الرسول لأولاده : " الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت اللـه " .
ولعلمه أن ليست شكاية على الذين استحقوا أن يقوموا متحررين من الأوجاع المائتة ؛ يُظهر لهم ثمار الروح التي هي : " محبة ؛ فرح ؛ سلام ؛ طول أناة ؛ لطف ؛ صلاح ؛ إيمان ؛ وداعة ؛ تعفف ؛ صبر ؛ ضد أمثال هذه ليس ناموس " { يو 15 : 5 ، 6 } .
وربنا المحبوب يسوع إذ يبين لنا أن الأعمال ينبغي أن تستعلن في ذلك اليوم ؛ يقول : " كثيرون سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون ؛ من بعد ما يكون رب البيت قد قام وأغلق الباب ؛ ويقول للذين يقرعون : " لا أعرفكم " { يو 15 : 2 } .
ولا يمكننا أن نقول بأن اللـه يجهل شيئاً ما ؛ حاشا للـه ؛ بل لأنه لا يعرف الفضائل المجيدة لدى أولئك الذين يقرعون قائلين : " ربنا ربنا أفتح لنا ؛ فيقول : " لا أعرفكم " .
كما أن الرب يُظهر لنا أيضاً حال أولئك الذين لهم إيمان دون أن يكون لهم أعمال قائلاً : " أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان ؛ الذي يثبت فيَّ أنا أيضاً أثبت فيه ؛ من لا يثبت فيَّ يُطرح خارجاً كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيُحرق " { يو 17 : 9 } ؛ كما أنه ينقي الذي يأتي بثمر جيد ؛ ليأتي بثمر أفضل " .
ولكي يوضح لنا أيضاً أنه لا يحب أولئك الذين يكملون مشيئتهم الجسدية يصلي قائلاً : " لستُ أسأل من أجل العالم بل من أجل الذين أعطيتني لأنَهم لك ؛ وقد أخرجتهم من العالم " .
ولأن " العالم يحب خاصته " قال أخيراً : " أيها الآب أحفظهم من الشرير لأنَهم ليسوا من العالم " { 1يو 3 : 12 } .
فلنفحص نفوسنا إذاً يا إخوتي : هل نحن من العالم أم لا ؟ فإذا لم نكن من العالم ؛ فهو يحفظنا من الشرير ؛ لأنه قال : " لستُ أسأل من أجل هؤلاء فقط ؛ بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم ؛ ليكون الجميع واحداً ؛ كما أننا نحن واحد " { 1يو 3 : 22 } ؛ وأيضاً : " حيث أكون أنا ليكونوا هم أيضاً معي " { 1يو 3 : 13 ، 14 } .
أقوال خلاصية :
فانظر الآن بأي حب قد أحبنا ؛ نحن الذين جاهدنا ضد هذا العالم وأبغضنا مشيئات قلبنا الجسدية ؛ لأننا سوف نحيا معه إلى الدهر والرسول يوحنا إذ تأمل هذا المجد العظيم قال : " نعلم أنه إذا ظهر سنكون مثله " ؛ " إن كنا نحفظ وصاياه ونعمل الأعمال المرضية أمامه " .
كما يقول الرسول : " لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة " ؛ ويقول أيضاً: " كل من لا يفعل البر فليس من اللـه ؛ وكذا من لا يحب أخاه " ؛ وأيضاً : " كل من يصنع البر فهو من اللـه ؛ ومن يفعل الخطية فهو من إبليس " ؛ وكذلك : " المولود من اللـه لا يخطئ ؛ لأن زرعه يثبت فيه ؛ ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من اللـه .
فلنعمل إذاً يا إخوتي قدر استطاعتنا بمؤازرة هذه الشهادات لعل صلاحه يشفق علينا ويمنحنا القوة لنطرح عنا ثقل هذا العالم الدنس .
أما عدونا فلن يسكت ؛ إذ هو يتعقبنا كل حين ؛ ملتمساً أن يأسر نفوسنا ؛ لكن ربنا يسوع هو معنا وهو الذي يصده بأقواله المقدسة ؛ إن كنا نحفظها ؛ لأنه كيف يُحجز العدو ؛ أو ما الذي يقوى عليه غيرُ تلك الكلمات عينها التي قالها اللـه ضده ؟ فهي التي تقف مقابله ونصرعه بقوتِها ؛ دون علم الإنسان .
ويعلمنا الرسول بطرس ويبين لنا ؛ أن الأعمال تخلص الإنسان من خلال هذه الأقوال : " قدموا في إيمانكم فضيلة ؛ وفي الفضيلة معرفة ؛ وفي المعرفة تعففاً ؛ وفي التعفف صبراً ؛ وفي الصبر تقوى ؛ وفي التقوى مودة أخوية ؛ وفي المودة الأخوية محبة ؛ لأن هذه إن كانت فيكم وكثرت تصيركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح ؛ لأن الذي ليس عنده هذه هو أعمى قصير البصر ؛ قد نسى تطهير خطاياه السالفة " .
كما يقول يوحنا المعمدان : " اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة ؛ والآن قد وُضِعت الفأس على أصل الشجر ؛ فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار .
كذلك فإن معلنا يسوع يقول : " من الثمر تعرف الشجرة " ؛ هل يجتنون من الشوك عنباً ؛ أو من الحسك تيناً ؟ " ؛ وأيضاً : " ليس كل من يقول لي يارب يارب يدخل ملكوت السماوات ؛ بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات " .
وفي موضع آخر يقول يعقوب الرسول : " الإيمان بدون أعمال ميت .. .. والشياطين أيضاً يؤمنون ويقشعرون .. .. لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت ؛ هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت " .
والرسول إذ يؤكد مرة أخرى لأولاده أن الإيمان يلزمه الأعمال يوصيهم بشدة أنَّ : " الزنا وكل نجاسة فلا ينبغي أن يسمى بينكم كما يليق بقديسين .. .. بل بالحري الشكر . فإنكم تعلمون هذا أن كل زان أو نجس أو طماع الذي هو عابد للأوثان ؛ ليس له ميراث في ملكوت المسيح واللـه " .
ثم يعود ويؤكد قائلاً : " لا يغركم أحدٌ بكلام باطل ؛ لأنه بسبب هذه الأمور يأتي غضب اللـه على أبناء المعصية ؛ فلا تكونوا شركائهم . لأنكم كنتم قبلاً ظلمة ؛ وأما الآن فنور في الرب ؛ اسلكوا كأولاد نور لأن ثمر الروح هو في كل صلاح وبر وحق " .
وأيضاً : " ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح مع كل خبث " . لأنه يقول : " كونوا متمثلين بي كما أنا أيضاً بالمسيح " . " لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح " .
المسيح يقبل إليه الذين تطهروا بواسطة التوبة :
فلنفحص ذواتنا يا إخوة ؛ هل لبسنا المسيح أم لا ؟ المسيح يُعرف في القداسة ؛ لأنه قدوس ويستريح في القديسين ؛ فكيف يصير الإنسان طاهراً سوى بأن لا يعود إلى اقتراف الشر الذي كان يعمله ؟
لأن هذا هو صلاح اللـه ؛ أنه في اللحظة التي يتحول فيها الإنسان عن خطاياه ؛ يقبله اللـه بفرح دون أن يحسب عليه خطاياه القديمة ؛ كما كُتب في الإنجيل من أجل الابن الأصغر الذي بذر ميراثه في عيشة مسرفة ؛ وانتهى به الحال إلى رعاية الخنازير ؛ حيث كان يشتهي أن يشبع من طعامها ؛ ثم لما تاب أدرك مما فعله أن الإنسان لا يشبع من خطاياه ؛ بل أنه كلما تمادى في فعلها ؛ كلما ألتهب بداخله بالأكثر .
فلما قرعت التوبة داخله لم يترك يوماً يطوي آخر ؛ لكنه عاد إلى أبيه بإتضاع ؛ تاركاً عنه كل مشيئاته الجسدية .
إذ آمن أن أباه رحيم ولن يحسب عليه ما فعله ؛ لهذا أمر أبوه حالاً أن حلة الطهارة وعربون البنوة ؛ وقد قال لنا معلمنا يسوع المسيح ذلك لكي إذا رجعنا إليه نترك أولاً طعام الخنازير ؛ وعندئذ يقبلنا لأننا نصير أطهاراً .
مداومة الصلاة :
ولكي يحثنا الرب على الرجوع إليه ؛ يشجعنا قائلاً : " كان في مدينة قاض لا يخاف اللـه ولا يهاب إنساناً ؛ وكان في تلك المدينة أرملة ؛ وكانت تأتي إليه قائلة أنصفني من خصمي؛ وكان لا يشاء إلى زمان ..."؛ ولكن لما حان الوقت ؛ لم يتأخر بل صنع لها حالاً ما أرادت " .
قال الرب ذلك لكي لا تصاب النفس بالضجر أو تقول متى سيسمعني اللـه ؟ لأنه يعرف متى يصير طالبوه مستحقين أن ينصفهم وحينئذ يستجيب سريعاً .
فلنثبت إذاً بكل قلوبنا ولا نمل في صلواتنا وهو يستجيب لنا سريعاً ؛ لأنه هو نفسه قال : " اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم " .
فإذا كنا نسأل أيها الإخوة أو نطلب منه لأن الذي مضى إلى صديقه في منتصف الليل أزعجه قائلاً : " أقرضني ثلاثة خبزات لأن صديقاً لي جاءني من سفر ؛ وداوم على القرع ؛ فأعطاه قدر ما احتاج .
فلنطرح عنا إذاً يا إخوة الكسل؛ ولنعود أنفسنا على مثل هذه الجسارة؛ حتى إذ يرى مثابرتنا يعطينا ما نطلبه ؛ لأنه رؤوف ويشتهي توبة الإنسان كالمكتوب:"الحق أقول لكم أنه يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب"
نحو المحبة الكاملة من خلال الصليب :
وهكذا يا إخوتي طالما نتمتع بمثل هذه الشفقة ؛ وبغنى مراحم الرب فلنجتهد بكل قلوبنا ما دمنا في الجسد ؛ لأن قليلة هي أيام حياتنا .
فإذا كنا نجاهد فسوف نرث الفرح الأبدي الذي لا ينطق به .
أما إذا عدنا إلى وراء نصير كذلك الشاب الذي سأل الرب يسوع عما يفعله لكي يخلص ؛ فأجابه قائلاً : بع كل مالك وأعطه الفقراء ؛ واحمل صليبك واتبعني .
مبيناً لنا أن الخلاص يكون بقطع المشيئة ؛ لأنه لما سمع ذلك صار حزيناً جداً ومضى . فقد أدرك أن توزيع ممتلكاته على الفقراء ليست فيه مشقة تذكر ؛ بقدر كل ما هو في حمل الصليب ؛ لأن توزيع الممتلكات على الفقراء ما هو إلا فضيلة واحدة والإنسان يكملها بحمله الصليب ؛ أما الصليب فهو إبطال كل الخطايا ؛ وهو يولد المحبة ؛ فليس هناك صليب بدون محبة .
كذلك فإن الرسول إذ يعرف أنه توجد فضائل زائفة ؛ تخلو من المحبة ومن الكمال ؛ يقول : " إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ؛ ولكن ليست لي محبة ؛ فقد صرت نحاساً يطن أو صنجاً يرن . إن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى أحترق ولكن ليست لي محبة فلا أنتفع شيئاً . المحبة تتأنى وترفق ؛ المحبة لا تحسد ؛ المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ؛ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ؛ ولا تحسد ولا تظن السوء " .
فالذي يروم أن يسلك طريق المحبة ؛ ينبغي ألا ينشغل بإنسان صالحاً كان أم رديئاً ؛ حينئذٍ يسكن قلبه الاشتياق إلى اللـه ؛ وهذا الشوق يلد فيه الغضب الذي بحسب الطبيعة ؛ الذي يقاوم كل ما يزرعه العدو . عند ذلك يجد ناموس اللـه فيه مكاناً مختاراً ؛ وبواسطة المخافة تستعلن فيه المحبة ؛ حينئذٍ يستطيع هذا الإنسان أن يقول بنفس الجرأة مع الرسول : إني مستعد ليس أن أربط فقط بل أن أموت أيضاً لأجل اسم الرب يسوع " .
طوبى للنفس التي اقتنت مثل هذه المحبة ؛ إنَها تصير عادمة الأوجاع .
فليجاهد كل واحد قدر استطاعته .
مثل لعازر :
لقد خرجنا من العالم يا إخوتي ؛ فلنعرف أين نحن ؟
إن الرب يسوع رحيم ؛ لذلك يمنح الراحة لكل واحد قدر جهاده ؛ العظيم على قدر عظمته ؛ والصغير على قدر صغره ؛ بحسب القول : " في بيت أبي منازل كثيرة " . لأنه إن كان لا يوجد غير ملكوت واحد إلا أن كل واحد فيه مكانه ورتبته .
فلنجاهد إذاً مقابل كسلنا يا إخوتي ؛ ولننفض عنا أكفان الظلمة أي الغفلة والنسيان ؛ فنعاين نور التوبة .
فلنقتن في أنفسنا مرثا ومريم ؛ أي الإماتة والنوح ؛ وهما اللتان بكتا أمام المخلص لكي يقيم لعازر ؛ أي النفس (العقل) المربوطة مضاعفة بأربطة المشيئات الخاصة ؛ لأنه تحنن وأقامه لهما ؛ لكنه ترك لهم أن يفكوه ويطلقوه ؛ فلما أنفك لعازر ؛ عندئذ ظهرت غيرة مرثا ومريم ؛ وأخيراً وُجد لعازر بغير هم جالساً على المائدة مع يسوع ؛ بينما مرثا تقوم بخدمته بغيرة وفرح ؛ ومريم تحمل القارورة المملوءة طيباً تدهن به قدمي الرب .
فلنجاهد يا إخوتي كاستطاعتنا ؛ والرب يساعدنا ككثرة رحمته ؛ فإذا لم نحفظ قلوبنا على مثال ما عمل آباؤنا ؛ فعلى الأقل لنعمل قدر قوتنا ؛ لنحفظ أجسادنا بغير خطية كمشيئة اللـه ؛ واثقين أنه في زمان الضيقة الآتية سيتحنن اللـه علينا كما تحنن على قديسيه ؛ لأن مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر ؛ ونجماً يمتاز عن نجم . وجميعها مع ذلك في السماء المقدسة عينها ومجدها وكرامتها تخصه . من الآن وإلى الأبد . آمين .
من ميامير مار إشعياء الأسقيطى

